السيد كمال الحيدري
110
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الأمرين التي أطلقها أئمّة أهل البيت عليهم السلام لتحديد الموقف من الفعل الإنسانى في نسبته إلى الله سبحانه وإلى الإنسان ، وفى التمييز بين الجبر والتفويض ، لا تعنى أنّ نصْف الفعل للإنسان ونصفه الآخر لله على نحو الشراكة بينهما ، أو أنّ نصفه تفويض ونصفه جبر . فالتصوّر الأوّل شرك ، والثاني لا يحلّ المشكلة بل يزيدها التباساً وتعقيداً . فالجمع بين الجبر والتفويض ليس حلًّا ولا حقّاً ؛ لأنّه من غير المعقول الجمع بين المستحيلين . ما ترمى إليه نظرية الأمر بين الأمرين هو أن لا يكون الفعل الإنسانى في فعل الله مباشرة ، بحيث يسند إلى الله مباشرة ولا يسند إلى الإنسان ، ولا أن يسند إلى الإنسان فقط ولا يسند إلى الله ، بل المقصود أنّ الفعل الإنسانى يسند إلى الإنسان ويسند إلى الله سبحانه أيضاً ، لكن مع حفظ الجهتين ، وفى إطار ما مرّ ذكره تفصيلًا من أنّ لكلّ فعل جهتين ؛ جهة ثبوت ، وجهة أخرى مسندة إلى الفاعل . فالفعل الإنسانى وإن كان يصدر بقدرة الإنسان نفسه ، إلّا أنّه يكون بإقدار الله الدائم الذي لا ينقطع ، ففي كلّ لحظة وآن هناك تمليك وإقدار من الله للإنسان ، فيسند الفعل إلى الإنسان وإلى الله مع حفظ الجهتين وفاقاً لما سلفت إليه الإشارة مفصّلًا . 2 تصوير المعنى عرفياً رغم الوضوح الذي تتّسم به النصوص الروائية ووفرتها ، برزت شروح في فهم مقولة الأمر بين الأمرين بين علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام والباحثين المنتمين إلى خطّهم ، لاسيّما على مستوى الفهم العرفي الذي ساقوه من خلال الأمثلة ، كي يستكملوا به العرض النظري . على أنّ هذه الأمثلة بذاتها تستبطن بذور قراءتين مختلفتين لمعنى النظرية وما ترمى إليه ، كما سيأتي في الفقرة اللاحقة إن شاء الله .